علي بن أحمد المهائمي
251
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
[ فمن هنا كان الدّين جزاء أي معاوضة بما يسرّ وبما لا يسرّ ، فبما يسرّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [ المائدة : 119 ] هذا جزاء بما يسرّ وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً [ الفرقان : 19 ] هذا جزاء بما لا يسرّ وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ [ الأحقاف : 16 ] هذا جزاء ، فصحّ أنّ الدّين هو الجزاء ] . ( فمن هنا ) أي : تأثير حال العبد في انقياد الحق ، وأفعال العبد التي من جملتها انقياده ، وترك انقياده ، ( كان الدين ) الذي به انقياد العبد وترك انقياده ، وانقياد الحق بأحد الوجوه ( جزاء ) أي : موجب جزاء ، كأنه نفسه حتى فسر به قوله تعالى : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ بالفاتحة : 4 ] أي يوم الجزاء ، وفسر الجزاء بقوله : ( أي : معاوضة ) لئلا يتوهم أنه ابتداء من اللّه تعالى من غير تأثير الأعمال فيها ، بل هي علامات كما ذهب إليه بعض المتكلمين . ثم أشار إلى أنه كيف لا يكون أثر الأعمال وهو واقع ( بما يسر ) في الموافقة ، ( وبما لا يسر ) في المخالفة ، والمخالفة أثر في ذلك ؛ لأن ترتب الشيء على الأمر يشعر بعليته ، فبما يسر أي : فالمعاوضة ( والجزاء بما يسر ) مثل ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [ المائدة : 119 ] ) وإن كان الرضوان الإلهي تفضلا منه إذ ليس على مقدار العمل ، فإنه قد ثبت وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [ التوبة : 72 ] لكنه من حيث ترتبه على الموافقة أثر لها في الجملة ، لا من حيث هو صفة قديمة بل من حيث تعلقها بهذا العبد الموافق ، وأما المعاوضة بما لا يسر فنحو قوله تعالى : ( وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً [ الفرقان : 19 ] هذا جزاء بما لا يسر ) ؛ لأنه لما كان كل نعمة منه عدلا فتوقفه على الظلم الصادر من العبد يشعر بكونه جزاء عليه . ثم أشار إلى أن الجزاء لا ينحصر فيما يسر وما لا يسر ، كما هو المتبادر إلى أوهام العامة بل ثمة قسم آخر نحو قوله تعالى : ( وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ [ الأحقاف : 16 ] هذا جزاء ) لترتبه على السيئات وليس بما يسر وما لا يسر ، فهو جزاء مطلق ، ( فصح أن ) الكل أثر الدين الذي هو الانقياد ، ( فصح أن الدين هو الجزاء ) تسمية للمسبب باسم سببه ، ولما خفيت السببية في جزاء السيئات من التجاوز والأخذ بينها مع الإشارة إلى أن تفسيره بالإسلام لا ينافيه بقوله . [ وكما أنّ الدّين هو الإسلام والإسلام هو عين الانقياد ؛ فقد انقاد إلى ما يسرّ وإلى ما لا يسرّ وهو الجزاء ، هذا لسان الظّاهر في هذا الباب ، وأمّا سرّه وباطنه ؛ فإنّه تجلّ في مرآة وجود الحقّ : فلا يعود على الممكنات من الحقّ إلّا ما تعطيه ذواتهم في